رئيس التحرير/ عرفه الدالي
Booking.com

الأسرة وتكوين الشخصية

يرى العديد من الباحثين أن الأسرة تلعب دوراً حاسماً في حياة الفرد، ويرونها الوسيط الفعَّال الذي يتحقق من خلاله دور الحضارة والثقافة في تشكيل الشخصية الإنسانية، بينما يرى معظم علماء الاجتماع أن تشكيل هذه الشخصية يعود إلى الوسائل الاجتماعية، كالأسرة مثلاً. ونجد علماء النفس يعتقدون أن ظهور الشخصية الإنسانية تكون من خلال تفعيل العلاقة بين الفرد والآباء.
وتعتبر المدرسة امتداداً لمؤسسة الأسرة، بحيث أنها تضيف إلى هذه المؤسسة، سبلاً جديدة للشباب لممارسة العمل وأداء وظائف في المجتمع، وتكمل مهمتها في عملية إنضاجهم نفسياً واجتماعياً وثقافياً، وممارسة أنشطتهم الاجتماعية والاقتصادية، والتي تحدد قيمة الشاب في المجتمع ومكانته ودوره البارز في خدمته والتعاون مع باقي أفراده.
إن تطوير الشخصية وتعزيز الثقة بالذات، يأتي من خلال التجارب المتكررة في ماضي الشباب. وفي كثير من الأحيان، لم يتعوَّدْ الشباب عندنا، على تلقي المهارات الأساسية التي تعزز بناء الشخصية أو التأكيد عليها. فهذا أمرٌ مكتسبٌ من خلال التعليم والتربية والقدوة المجتمعية. فشبابنا يمتلكون بالفعل قوة هائلة لتعلم المهارات والسمات الضرورية لتعزيز فرص نجاحهم العلميّ والقيميّ والأخلاقيّ طيلة حياتهم.
ولقد ظهرت في مجتمعاتنا العربية تغيرات كثيرة على النظام الأسريِّ، فبعد أن كانت الأسر كبيرة وممتدة تضم الأبوين والجدَّين والأحفاد والأعمام اختلف الوضع فأصبح الشاب يترك أهله عند زواجه ليكوِّن أسرته الصغيرة ويستقلَّ بها عن أهله، وهذا حرم الآباء والأجداد من الوقوف بجانب الأبناء والشعور بالمتعة والسعادة بوجود أحفادهم، وأصبحوا يشعرون بالوحدة في كبرهم، وكذلك إن هذا الانفصال وحلول الأسر الصغيرة النووية محلَّ الأسر الكبيرة المتشعبة حرم الشباب من خبرة الكبار وتوجيهاتهم ومن الشعور بالأمن والسعادة حينما يوجدون بينهم. وإن ما جرى على الأسرة العربية من تغيرات أدى إلى كثير من الزيجات الفاشلة وإلى أسرٍ مفككة، ولم تعدِ الروابط بين أفراد الأسرة بمثابة الروابط السرية القديمة، وكل ذلك يدعو إلى مزيد من الإرشاد الزواجي والأسري والأخلاقي لشبابنا العربي (عزيز سمارة، وعصام نمر، محاضرات في التوجيه والإرشاد، دار الفكر، عمان، 1990، ص. 13-14). إن هناك تغيرات حصلت على النظام الأسري العربي، منها خروج المرأة للعمل ومع ما في ذلك من شعور المرأة بالسعادة والتحقيق لذاتها إلا أنه كان على حساب الزوج والأبناء وأدى إلى تغيرات في العلاقات الأسرية، وأدى كل ذلك إلى ظهور مشكلات من نوع جديد. وهناك مشكلات أسرية جديدة مثل مشكلة السكن ومشكلات الزواج وكلفته الكبيرة التي أدت بالكثيرين إلى تأخير الزواج، وإلى الإضراب عنه بشكل نهائي وهذا يزيد من العنوسة بين البنات.
إن ما يواجهه الأفراد، وخاصة الشباب منهم، من تغيرات على مستوى الأسرة والمجتمع والمدرسة والعمل وما حدث من تقدم علمي وتطور في التعليم وأساليبه، يزيد من الحاجة إلى الإرشاد والتوجيه لهؤلاء الشباب، خاصة وأنهم يمرون في حياتهم بفترات انتقال نفسية واجتماعية وثقافية وفيزيولوجية... وهي فترات حرجة في حياتهم تزداد حاجتهم فيها لما يقدمه الكبار في الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية من نصائح وإرشادات وتوجيهات وقيم أخلاقية ودينية حسب كل فترة انتقالية على حدة.
ويعتبر الدين ركناً أساسياً في عملية التوجيه والإرشاد، فالصحة النفسية تتضمن السعادة في الدين والدنيا، وتعاليم الدين هي معايير أساسية في تنظيم سلوك الأفراد وخاصة الأطفال والشباب. كما أن الدين يمنح الإنسان الذي يقوم بواجباته الدينية الأمن النفسي والطمأنينة وراحة البال. لذلك كانت المعتقدات الدينية لكل الأفراد داخل المجتمع أساسية وضرورية في عملية الإرشاد والتربية (عزيز سمارة، وعصام نمر، المرجع السابق، ص. 33).
إننا نشهد انهياراً للقدوة الطيبة التي يقتدي بها أطفال وشباب اليوم. فبعض المصادر التي اعتادت أن تثريَ وتعزز شخصية الشباب قد فسدت سواء في البيت أم في الحي أم في المجتمع ومؤسساته الاجتماعية الموازية، وفي المدارس أيضاً. فهذه القدوة قد أصبحت سيئة وغير متخلقة، مما تؤدي إلى إنتاج شباب سيء غيابها هو في حد ذاته عائق تعليمي وتربوي ضخم يصعب تجاوزه، حسب ميشيل بورما.
إن الدين يزود الأفراد الملتزمين به بقوة مفادها أن كل شيء من الله سبحانه وتعالى وأن الصبر عليه مأجور بالحسنات وهذا جانب ضروري في الابتعاد عن المرض النفسي لو أخذنا التوجيه غير المباشر والمباشر معاً بعين الاعتبار. فعلماء الدين بإمكانهم القيام بدور المرشد الموجه فيما لو تم إعدادهم لذلك. فالوعظ مثلاً يتجه نحو إعطاء معلومات وأفكار مهمة عن الدين ومبادئه. ويقوم الإرشاد الديني على أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان وبيده كل شيء والإنسان مخلوق ضعيف أمام قدرة الله وإرادته. ويجب أن يقوم الإرشاد الدينيُّ على نظرية علمية محددة في الدين (عزيز سمارة، المرجع السابق، ص. 129). فقيام الفرد بالمخالفات الدينية والأعمال التي تخالف الدين نتيجة الجهل بتعاليمه في بعض الأحيان تجعله يشعر بالإثم وعذاب الضمير وبالتالي تجعله في صراع مستمر أمام قوى الخير والشر وبين إشباع رغباته وحاجاته من جهة وبين ارتكاب الحرام وهذا الصراع يقوده إلى المخالفات الدينية، ومن الأسباب أيضاً ضعف الضمير وضعف مقاومة الرغبات المحرمة.